
أثار رئيس المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في ألمانيا (BAMF)، هانز-إيكهارد زومر، جدلاً واسعاً بعد دعوته إلى إلغاء حق اللجوء المعمول به حالياً، وانتقادات حادة من الأحزاب السياسية، مع مطالبات باستقالته.
ودعا زومر الذي ينتمي إلى حزب (الاتحاد الاجتماعي المسيحي) إلى تغيير جذري في سياسة اللجوء، بحيث يتم التخلي عن مراجعة طلبات اللجوء الفردية لصالح استقبال إنساني عبر حصص محددة. ويتبع مكتب الهجرة لوزارة الداخلية الألمانية، لكن زومر أشار إلى أنه لا يتحدث بصفته الرسمية، بل يعبر عن “رأيه الشخصي”.
وتناقش الأحزاب الألمانية الكبرى (الاتحاد المسيحي الذي يضم الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي) و(الحزب الاشتراكي الديمقراطي)، التي تتفاوض حالياً لتشكيل حكومة ائتلافية، آلية رفض طالبي اللجوء على الحدود، ولم يصل الطرفان بعد إلى اتفاق بهذا الشأن، وهل سيتم الرفض بشكل مباشر أم بالتنسيق مع الدول المجاورة.
موقف زومر المتشدد تجاه سياسة اللجوء
ويُعرف زومر منذ فترة طويلة بموقفه الداعم لسياسة لجوء أكثر صرامة، حيث صرّح بذلك في مقابلة مع صحيفة “دير شبيغل” عام 2018، قائلاً: “أرى نفسي متشدداً”. وخلال حكومة “إشارة المرور” السابقة، امتنع إلى حد كبير عن التصريحات العلنية، لكنه عاد الآن إلى الواجهة مع احتمال تشكيل حكومة يقودها الاتحاد المسيحي.
وفي فعالية نظمتها مؤسسة “كونراد أديناور” المقربة من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، دعا زومر إلى تحول سريع في سياسة الهجرة، معتبراً أن التمسك بحق اللجوء الفردي والاعتماد على الإصلاحات الأوروبية لن يكون مجدياً.
تحذيرات من إلغاء حق اللجوء بشكل غير مباشر
من جانبه، انتقد رئيس منظمة “Jusos”، فيليب تورمر، تصريحات زومر بشدة، وقال لصحيفة “دير شبيغل” إن “حق اللجوء الفردي إنجاز يجب الدفاع عنه، لا سيما بسبب مسؤولية ألمانيا التاريخية”. وأضاف مستنكراً: “ماذا بعد؟ بناء جدار حول ألمانيا؟ هذه ليست اقتراحات مسؤولة، بل محاولة لإلغاء حق اللجوء بشكل غير مباشر”.
في المقابل، أبدى تورستن فراي، مدير الكتلة البرلمانية لحزب الاتحاد، تأييده لاقتراح زومر، قائلاً: “لا أخفي تعاطفي مع هذا الاقتراح، فقد سبق لي أن قدمت مقترحاً مشابهاً”، لكنه أشار إلى أن الموضوع لم يُناقش في مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي.
ويخضع قانون اللجوء الألماني حالياً للقانون الأوروبي، حيث يضمن ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي حق اللجوء الفردي، إضافةً إلى حماية اللاجئين من الترحيل القسري بموجب اتفاقية جنيف لحقوق اللاجئين والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، لذا، فإن إلغاء حق اللجوء الفردي في ألمانيا يتطلب تغييراً على المستوى الأوروبي، وهو أمر معقد وطويل الأمد.
انتقادات من الحزب الاشتراكي
عضو (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) يان ديرين، المتحدث باسم الجناح اليساري للحزب، وصف تصريحات زومر بأنها “أسوأ كذبة بمناسبة الأول من نيسان”، مؤكداً أن حق اللجوء الفردي “جزء لا يتجزأ من الدستور”، وأنه “يحمل المجتمع مسؤولية حماية من يفرون من الحرب والاضطهاد”. واتهم زومر بمحاولة تحويل الحق الأساسي في اللجوء إلى مجرد “مسألة حصص”.
بدورها لم تتبن وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي) تصريحات زومر خلال مؤتمر صحفي، لكنها لم تعلن عن أي عواقب إدارية. وعندما سُئلت عما إذا كانت ستناقش اقتراح زومر معه، أجابت: “أنا دائماً أتحدث مع السيد زومر.”
أما زميلها في الحزب، عضو البرلمان الألماني رالف شتيغنر، فقد صرح لصحيفة “هاندلسبلات” أن “مثل هذه التصريحات العلنية من رئيس هيئة حكومية تتعارض مع مسؤولياته، وتنتهك على الأرجح واجباته الوظيفية، وعادةً ما تؤدي إلى عواقب إدارية”.
مطالبات باستقالة زومر
وطالبت المتحدثة باسم سياسة الهجرة في حزب الخضر، فيليز بولات، باستقالة زومر. وقالت إنه “لا يمكن لرئيس هيئة حكومية في دولة قانون أن يشكك في القانون الوطني والدولي”. مضيفةً أن “اقتراحه بإلغاء حق اللجوء الفردي وتعديل اتفاقية جنيف للاجئين يجعله غير مؤهل لمنصبه”.
من جهتها، انتقدت النائبة اليسارية كلارا بيونغر وزيرة الداخلية فيزر لأنها لم تقم باستبدال زومر عند توليها منصبها، حيث تم تعيينه من قبل وزير الداخلية السابق هورست زيهوفر في عام 2018. وقالت إنه “إذا كان رئيس هيئة حكومية يرى أن المهمة الأساسية لمكتبه، وهي فحص طلبات اللجوء الفردية، باتت غير مناسبة أو غير ضرورية أو حتى خاطئة، فعليه أن يستقيل فوراً”.
“اللجوء ليس منحة بل هو حق”
عضو البرلمان عن حزب الخضر الحاكم في برلين جيان عمر، اعتبر تصريحات زومر بشأن إلغاء حق اللجوء الفردي، هو هجوم مباشر على قيم ألمانيا الإنسانية الأساسية، وأن التضحية بهذا الحق الجوهري، هو خرق مروع للمحظورات الأخلاقية.
وقال عمر في منشور عبر حسابه في فيس بوك إن “اللجوء ليس منحة، بل حق من حقوق الإنسان، ويُمنح لمن يحتاج إلى الحماية، لكن زومر يريد الاستعاضة عنه بنظام حصص تفاوضي تديره الدولة، ما يعني عملياً نهاية حق اللجوء كما نعرفه”.
وأشار إلى ربط زومر حق اللجوء بمدى “ملاءمة” الشخص لسوق العمل. مؤكداً أنه “لا يجوز أن يصبح اللجوء مجرد معادلة نفعية، وأن فرز الأشخاص المحتاجين للحماية بناءً على المصالح الاقتصادية هو خيانة لمبدأ الكرامة الإنسانية”.
وحول حديث زومر عن “انهيار الديمقراطية بسبب سياسة اللجوء”، اعتبر عمر أن “هذه مجرد فزاعة يمينية، وليس اللاجئون هم من يهددون ديمقراطيتنا، بل أولئك الذين يتخلون عن الحقوق الأساسية”. ووصف ما يفعله زومر بأنه استسلام مخزٍ للمد اليميني”. مضيفاً أن “حق اللجوء ليس محل تفاوض”.