
أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرها السنوي الرابع عشر الموسَّع عن الاختفاء القسري في سوريا، بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري في 30 آب، بهدف تسليط الضوء على واقع هذه الجريمة وآثارها المدمرة على مئات آلاف الضحايا وعائلاتهم.
وتكتسب هذه النسخة أهمية خاصة في ظل التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد بعد إسقاط النظام البائد وما ترتب عليه من إخلاء السجون والمراكز الأمنية التي كانت خاضعة لسلطته من المحتجزين، الأمر الذي كشف جانباً إضافياً من حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها الاختفاء القسري في سوريا على مدى أكثر من أربعة عشر عاماً.
فقد خرجت أعداد محدودة من المعتقلين أحياء، فيما بقي مصير عشرات الآلاف مجهولاً، فتحولوا إلى مختفين قسرياً، وبذلك تكشّفت مأساة كبرى طالت المجتمع السوري برمته، بما يعكس الطابع البنيوي والممتد للاختفاء القسري في السياق السوري.
وتبعاً للتقرير، فقد اعتمد النظام البائد منذ 2011 سياسة الاختفاء القسري بشكل ممنهج لترهيب المجتمع ومعاقبته جماعياً، مستهدفاً معارضين ومدنيين من مختلف المناطق والانتماءات.
وشهدت حصيلة ضحايا الاختفاء القسري المسجّلة لدى الشبكة السورية لحقوق الإنسان ارتفاعاً ملحوظاً بعد سقوط نظام بشار الأسد، نتيجة الإفراج عن معتقلين كانوا يعدّون مختفين، وتحويل معتقلين آخرين إلى فئة المختفين وتوسيع نطاق التوثيق وتعزيز الأدلة والبيانات.
وفقاً لقاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن ما لا يقل عن 181 ألفاً و312 شخصاً؛ بينهم 5 آلاف و332 طفلاً و9 آلاف و201 سيدة، لا يزال مصيرهم مجهولاً بعد اعتقالهم من قبل مؤسسات نظام الأسد المخلوع العسكرية والأمنية.
وبلغت حصيلة المختفين قسرياً وفق قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 177 ألفاً و57 شخصاً: منهم 160 ألفاً و123 شخصاً في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام البائد.
وأوضحت الشبكة الحقوقية أن 21 ألفاً و189 شخصاً؛ بينهم نساء وأطفال، اختفوا في مراكز احتجاز تابعة لأطراف أخرى.
وأظهرت قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن النظام البائد مسؤول عن أكثر من 90 بالمئة من حالات الاختفاء القسري، وهي جريمة ارتبطت بالاعتقال التعسفي والتعذيب والحرمان من المحاكمة العادلة، وخلّفت معاناة جماعية لذوي الضحايا.
وبحسب معطيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن الاختفاء القسري المرتكب منذ عام 2011 يشكل جريمة مستمرة وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 47/133 لعام 1992) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما يرقى في سياقات معينة إلى جريمة ضد الإنسانية بمقتضى القانون الدولي الجنائي.
وتمثّل جريمة الاختفاء القسري أحد أكبر التحديات الحقوقية والإنسانية منذ عام 2011، ومعالجتها تستلزم التزاماً قانونياً وحقوقياً مستداماً، وتدابير شاملة تشمل كشف الحقيقة ومساءلة المسؤولين ودعم الضحايا، وتعزيز مؤسسات الدولة المستقلة لضمان عدم التكرار.
ويثبت التقرير أن الاختفاء القسري ليس انتهاكاً فردياً فحسب، بل يخلّف ضرراً جماعياً واسع النطاق على الأسرة والمجتمع بأبعاد نفسية واجتماعية واقتصادية وقانونية.
ويشكّل هذا الواقع التزاماً على الدولة والهيئات الوطنية المعنية بالعدالة الانتقالية لتقديم دعم قانوني وإنساني ملائم للضحايا وذويهم وضمان جبر ضرر فعّال.
وقدمت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها توصيات تسهم في كشف مصير ضحايا التغييب القسري، كإشراك خبراء دوليين وتطبيق المبادئ الدولية للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وضمان مشاركة ممثّلي ذوي الضحايا في متابعة التحقيقات وتلقي التحديثات الدورية، واستخدام تقنيات متقدمة، منها التصوير الجوي وصور الأقمار الصناعية، لتحديد المواقع دون الإخلال بحفظ الأدلة وحماية مسرح الجريمة.